الأحد، يوليو 08، 2012

25 يناير .. ان نحلم بحرية !

  
        فتحت اجندتى الشخصية التى اقتنيتها فى سن صغير _ ابى من علمنى هذه العاده_ والتى كنت اكتب فيها ذكرياتى الطفلة ! , بالطبع هى لا تعدو عن كونها "شخابيط" او "لعب عيال" فكيف لطفل فى الثالثة عشر ان يكون له ذكريات !, وجدت فى اول صفحة اسمى مكتوب بخط مهزوز يحاول ان يكون جميلا ..بعض البيانات الشخصية..اسم الاب .. اسم الام ..العنوان..الجد ..الجده ..فصيلة الدم ...


       ظللت اتصفح تلك "الاجندة" وانا اقرأ اشياء كتبت منذ عدة اعوام , اعرف جيدا انى كنت اكتب فى هذه الاجنده الاحلام لا الذكريات ,كانت سجل الشكوى ,فها انا اسجل رحلتى فى القاهرة وكيف كان المشرفين على الرحلة فى منتهى الديكتاتورية ,فهم يأخذوننا الى اماكن غير متفق عليها مسبقا ويلغون من البرنامج اماكن اخرى ,اجل..كتبت هذا وشكوت الى صفحاتى وقلمى ..فقد كنت اشعر بغيظ شديد وبالرغم من ان احدا لم يجيبنى على اسئلتى الا اننى ارتحت وقتها حينما كتبت.


   
       لا زلت اتصفح اجندتى العزيزة ,فجأة شعرت وكأن قلبى وقف فتوقفت للحظة حتى استوعبت الامر ثم عادت الى ضربات قلبى ولكن بقوة اكثر ولم اتمالك دموعى وانا اقرأ هذه الفقرة بتاريخ 2005 بعد الانتخابات الرئاسية المزورة : "الليلة تم الاعلان فى الفضائيات خبر نجاح الرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة ..وبعد سماعنا للخبر انقطعت الكهرباء ولا اعرف ان كان انقطاع الكهرباء صدفه ام مقصود ..لا اعرف كثيرا فى السياسة ولكنى اشعر انه لا يجب ان يفوز هذا الرجل ..لا اعرف لماذا ولا استطيع ان اجيب على اسئلة اعضاء الحزب الوطنى _الذين هم اقاربى واباء اصدقائى_ بان اذكر لهم مساوئ مبارك ..فانا لا اعرف هذه المساوئ .. فانا لست صحفيا شهيرا يعرف الاخبار ولا سياسيا يتتبع مشاهير السياسه .. كل ما اعرفه ان الناس ليسوا سعداء ..وانهم يخافون حتى ان يقولوا ذلك ..قلت لاختى ذات مرة :هل سنعيش ونموت فى ظل هذا الرئيس طوال حياتنا ..فالتغيير نعمه..و قلت لامى مثل هذا فى مرات سابقه

 
قلت لها : يقولون لنا فى المدرسة ان مبارك جاء بعد السادات الذى جاء بعد عبدالناصر ..هل عشتى هذه الفتره ؟ ..
قالت لى :نعم..
قلت لها :ماذا كان شعورك ؟
 
قالت:جدك "ابو امك" كان خائفا على البلد بعد وفاة عبدالناصر فقد كان يحبه حبا شديدا .. اما جدك الثانى "ابو ابوك" كان فرحا للغاية لانه كان من الاخوان وكان يقول دائما ان عبدالناصر هذا مجرم وقاتل
قلت:وانت ماذا كان شعورك ؟
قالت:كنت طفله ..لم استطيع ان اكون انطباع ..ولكنى كنت قلقه جدا بعد اغتيال السادات وكنت وقتها فى "الشغل" وخالتك كانت فى "دمنهور" ..حينها اعلنوا حالة الطوارئ ومنعوا اى حد من الخروج من بيته ..هذا كان مصدر قلقى ..ولما قالوا هنجيب النائب بتاع السادات قلت "على الله يُصلح البلد" ..وجه مبارك وقعد لغاية دلوقتى
قلت :وهل اصلح مبارك البلد ؟
قالت :انت مالك انت بالكلام ده؟!ّ ..ذاكر وشوف حالك بدل ما ياخدوك على امن الدوله
قلت:هو ده حالى
 
قالت :بطل " لماضه " وروح ذاكر
قلت :لما يجيلنا فى الامتحان موضوع تعبير هاكتب فيه نداء للرئيس واقوله عاوزين حد تانى غيرك يحكمنا
قالت :لو ما دخلتش ذاكرت دلوقتى او عملت كده هاقول لبابا وهاخليه يضربك
..وفى النهاية نجح مبارك ..عبدالعظيم كشك ..2005 ..بيتنا "
هذا كان نص تدوينتى بعدما حولتها للفصحى وحذفت بعض الكلمات الركيكة محاولا عدم الاخلال بالمعنى العام قدر الامكان .




قرأت تلك الكلمات والدموع فى عينى ..لا اصدق حتى الان اننا فعلناها واسقطنا مبارك .. لا اصدق انى خرجت من حاجز الخوف هذا وذهبت الى ميدان التحرير .. كيف تخلصت من الخوف من ابى الذى لو عرف ذلك ربما "مات فيها " وكيف انقشعت الرهبه من امن الدولة..كيف وضعت قدمى فى السيارة الميكروباص المتجهه الى القاهره او بالاحرى الى ميدان التحرير تاركا خلف ظهرى كلمات امى : " حرام عليك لا انا ولا ابوك حمل اننا نشوفك زى اللى بيموتوا " ..
تاركا كلمات ابى حينما ذهبت لأستأذنه فى الذهاب فرفض وذهبت دون علمه :"لا ..انا قولت لا يعنى لا ..انت دماغك ناشف ليه..والله ما انت طالع من البيت !"
كلمات اختى الكبيرة _موضع سرى_ والوحيدة التى وافقتنى على الذهاب للتحرير وقالت :"ربنا معاك " وكانت تتشاجر مع ابى وامى بسببى وتقول لهم :"سيبوه يروح .. انتوا عاوزينه يقعد جنبكوا ..تلاتين سنه كمان !"

 حتى هذه اللحظة لا اعرف كيف تغلبت على هذه الملحمة وتركتها خلفى وكيف تجاوزت عتبة الخوف من الامن والتوجه الى ما كنا نعتقده يومها "مجهولا " ولكنه صار الآن نبراسا وسراجا منيرا 

فتجربة يناير ليس درس نتعلم منه فى الحياه ولكنه بالنسبه لى درس الحياة ..تعلمت فيها ان اتحرر من الخوف ما دمت على حق ..اكتسبت قناعة لا تتزعزع بانه لا قيمة للحياة على ارض ماتت فيها مبادئك .. تعلمت الحلم ..وتأكدت انه لا حدود للحلم .. وجربت بنفسى تحقيق هذا الحلم ..عرفت انه قمة الواقع ان نطلب المستحيل .. تعلمت الكثير والكثير خصوصا من هؤلاء الملائكة الذين ماتوا لكى نعيش .. تأملتهم .. اى تجرد هذا ! .. واى نظره فى عيونهم لقيمة الحرية ..تعلمت منهم وجوب الموت فى سبيل الفكرة .. فى سبيل الوطن .. فى سبيل الله .

طويت اجندتى وكتبت فى الصفحة الاخيرة ..الاسم :ثائر ..السن :حديث الولادة ..العنوان :ميدان التحرير ..الاب :نهر النيل ..الام :مصر ..فصيلة الدم : سايل على الاسفلت .

فخور انى من جيل الثورة .. وفخور ان لى اجندة اضع فيها احلامى .. احلموا يرحمكم الله

بقلم/عبدالعظيم كشك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*حاز هذا المقال على المركز الثانى 
فى مسابقة المعهد المصرى الديموقراطى
 ممنوع الاقتباس بدون الاشاره للمصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق