الأربعاء، سبتمبر 19، 2012

انا والشيوخ وهواك !



(1)

       كثيرا ما اجلس وحيدا أتأمل دقة الصناعة فى سقف الغرفة او التنامق العجيب بين البلاطات بعضها وبعض وأحيانا اتجرأ اكثر واترك صومعتى التى اقضى فيها ما يزيد عن عشر ساعات يوميا _فى الاجازة الصيفية_ بين النت حيث الفيس بوك وتويتر والمواقع الاخبارية العربية والاجنبية او انقطاع النت حيث تصفح الكتب المحملة على "الهارد ديسك" الخاص بالجهاز او انقطاع الكهرباء نهارا حيث الغوص فى اعماق مكتبتى الورقية المتواضعه ولكن فى نفس الوقت المحببه لدى وكأنها احد ابنائى حيث انا من اخترت كل كتاب فيها و اشتريته ووضعته فى مكانه او انقطاع الكهرباء ليلا وحينها اضطر آسفا ان اذهب الى البلكونه حيث ممارسة هوايتى المفضلة فى عد النجوم ,اترك هذه الصومعة احيانا الى مشاهدة التلفاز او حضور بعض المحاضرات او الندوات , هذا ما افعل عموما وليس كل ما افعل ,اذ احيانا كثيرة حينما اقرأ كتاب او اتصفح خبر الكترونى او اسمع خطبة لشيخ ما تراودنى افكار نهونى عن الحديث عنها فى الصغر و لا اعرف لو تحدثت عنها اليوم وانا كبير ماذا سيحدث ؟!؟!

(2)
      أجل .. انا هذا الرجل  .. الطالب الحاصل على المركز الاول على المدرسة الاعدادية والابتدائية والخامس على المدرسة الثانوية , ليس لديه تصور واضح عن دينه ولم تفيده المدرسة كثيرا فى امور العقيده الا ربما كانت تثير فيه انتماء كاذب للاسلام حينما يرى زميله المسيحى يخرج اثناء حصة التربية الدينية الاسلامية و هو من المؤكد ان يكون الشعور نفسه للطالب المسيحى فهو يشعر بالتميز اكثر منه شعور بالتمييز !!
     انا هذا الرجل الذى وجد انه لا جدوى من تعلم الدين واستكشافه من خلال المدرسة حيث ان التركيز فى دروس الدين ومذاكرتها بحسبة بسيطة "جاى علينا بخسارة " اذ انه مادة لا تضاف للمجموع كما ان عدد حصصها فى الاسبوع قليل جدا ,أى نعم هى مادة رسوب ونجاح , لكن لا بأس يمكننى ان احفظ اول عشر آيات من سورة القرآن المقررة هذا العام فقد جرى العرف فى الامتحانات الا يأتى التسميع _الكتابى!!!_ للسورة الا من اول عشر آيات !! اما عن باقى الاسئلة فيمكننى ان اعصر الذاكرة لكى اكمل الحديث المطلوب اكماله , وان أؤلف كلمتين فى الاخلاق , وان استخدم اى مهارات اخرى فى الاجابة على باقى الامتحان ,لا يهم الاجابات الخاطئة ,فزملاؤنا فى الدفعات السابقة قالوا لنا ان المهم ان تملأ الورقة بالكتابة فالمصححون يستخدمون وسيلة حديثة فى التصحيح أسمها " الشبر " !
    لكن كان على ان اعرف وانا هذا الرجل ايضا ان المدرسة لن تعطينى كل شئ وان للتعليم العصامى آثر ربما يفوق بكثير آثر ودور التعليم النظامى و اننا كطلبة ضحية منظومة فاشلة آيلة للسقوط بالمعنى الاول للكلمة, ساقطة بالمعنى الثانى لها , ينتقل التخلف فيها لا بالعدوى ولا بالدم لكن بالتسلسل الوظيفى , حسنا فعلىّ الاعتماد على ذاتى والا اشغل نفسى كثيرا بنقد المنظومة التعليمية فأنا لن اصلح العالم وحدى _أو هكذا قالوا لنا_ فعقدت العزم لان اقرأ فى الدين ,لكن القراءة تحتاج كتب والكتب تحتاج اموال وانا _وبلا فخر_ على الحديدة ,إذن كان على ان افكر فى مصدر اخر للكتب وفجأة دارت فى ذهنى كل اعلانات قصور الثقافة وحملة المليون كتاب وماما سوزان وبابا حسنى وقلت انها فرجت ,ولم يستغرق ذلك منى كثيرا ان عرفت ابواب المكتبات العامة واول ما بدأت به هو مكتبة المدرسة الثانوية , وكانت المدرسة فى كل غرفها تضج بالضوضاء , لك ان تتخيل مدرسة ثانوية بها ما يزيد عن 500 طالب و50 معلم  وقت الفسحة ,الجو صاخب للغاية , للدرجة التى قلقت منها ان استطيع ان اقرأ فى مكتبتنا ,ولكن المشكلة لم تكن فى الضوضاء التى ستعيقنى عن القراءة وانما كانت فى اننى لا استطيع الدخول الى المكتبة الان لان فيه تفتيش "مفاجئ" هيزور مسئول المكتبة بعد اقل من ربع ساعة !! ,حقيقة لم ارد ان اكون سمجا واسأل مسئول المكتبة كيف تنتظر التفتيش وانت تقول انه مفاجئ ؟ ولكن اردت ان " أجّر ناعم معه " وأخبرته انى لا اريد ان اقرأ هنا حتى لا ازعج السادة المفتشين الذين اعلم انهم يتألمون ويتقذعون كثيرا من رؤية مناظر غير لائقة فى المكتبة كأن يروا شخص يقرأ _لا سمح الله_ او يبحث عن كتب_لا قدر الله_ وكانت اجابة المسئول متوقعة من مثله ,تقليدية من موظف مصرى ,رخمه كطبع اغلبهم :لايمكنك ذلك فهذه الكتب عهده !!

(3)

   اذن لا سبيل الى فهم كيف تدور الامور ويبدو انه مكتوب على ان أصلى لله دون ان اعرف ماهية دينى و افهم الكثير عنه ,وان سهوت عن الصلاة كان توبيخ امى لى منذرة اياى بالويل فهى كلما وجدتنى ساهيا عن الصلاة قرأت على قوله تعالى : "ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون " , حين اسمع هذه الاية كنت اصلى واحافظ على الصلاة  فانا لست ملحدا مثلا او ناكرا للدين كما يحب بعض المتشددين ان يسموا غيرهم وفى الحقيقة ان هذا ليس تشددا بقدر ما هو تساهل واستسهال فى الكشف ومعالجة المشكلات الاجتماعية المركبة , وحينما كنت اسمع هذا الكلام من امى المتعلمة او من غيرها من البسطاء فى التعليم اعجب بهذه الثقافة الدينية البسيطة واردت ان اعرف اين تعلموها , فوجدتهم يواظبون على سماع برامج قناة الناس والشيخ حسان والشيخ يعقوب والشيخ سالم ,ذاك الرجل كثير الدموع ,فجلست معهم وسمعت فى وقار لهؤلاء الشيوخ مثلما يفعلون هم مخلوط بحب فى العلم والنهل من اولئك العارفين بالدين فربما سد هذا الرغبة الشديدة لدى للمعرفة عن امور دينى .
   وكان بالفعل الشغف للمعرفة قد زال فى هذه الفترة بل ربما فى احيان امل مما يقال ولا اريد سماع المزيد وكنت قد وجدت كتاب اسمه "معجزة القرآن " للشيخ الشعرواى ضمن كتب كانت موجودة على استحياء فى احد الادراج فازلت التراب من عليه وقرأته واستمتعت به كثيرا واعجبت لاول مرة باسلوب هذا العالم و ومنطقه و تفكيره بعدما كنت لا احب سماع تفسيره للقرآن بعد صلاة الجمعة  الذى كان يشاهده ابى اجباريا ويجعلنا بالضرورة نشاهده ,وبدأت اسمع دروسه بعد الجمعه باهتمام بل كنت انتظرها ,زانتفل الاعجاب والحب للشيخ الى الاعجاب بهذا القرآن هذا الكتاب الذى لا يأتيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكيف ان هذا الكتاب اخبرنا بأن الروم هزمت فى ادنى الارض ثم تنبأ انهم من هزيمتهم هذه من الفرس سينتصرون عليهم مرة اخرى وهو ما اثبتته حقائق التاريخ , احببت هذا الدين الذى ارتقى بالمرأة من كونها اما جارية او زانية او حتى سيدة شريفة لكنها لا ترث فى اهلها الى نوع بشرى له تقديره واهتمامه ومعاملته الخاصة سواء أكانت ابنة او اخت او زوجة والتى قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم "رفقا بالقوارير" ,انتقل هذا الاعجاب الى حب واعتناق وكأنى دخلت الى الاسلام من جديد ,ليس دخول الفطرة وانما دخول العقل والقلب والوجدان هذه المرة .

(4)
    وكان بعد هذا انى لم اعد اهتم كثيرا بالبحث عن كتب الدين فلقد هدأ روعى واطمأننت انى على الطريق الصحيح غير انى احتاج الى بعض المعرفة ببعض الامور الدينية لكنها ليست امور عاجلة , وبينما انا اروح واجئ ظهر فى حياتى نوعين من البشر هما وانا فى الحقيقة نوع واحد وهم النوع المسلم ولكن العقل البشرى يحي التصنيف ليسهل على نفسه الامور ,النوع الاول وهم الاخوان المسلمون والنوع الثانى وهم السلفيون ,ولم اكن بحكم ان تربيت فى وسط به كثير من الاخوان اضع الاخوان فى هذه المعادلة ابدا فلم افكر ان اخذ عنهم العلم ابدا ربما بسبب تأثرى وانا فى سن صغير بالشائعات التى تخرج عنهم انهم لا يهتمون بالدين وانما يخلطون السياسة بالدين ليخدموا اغراضهم السياسية او ربما كنت خائف من ناحيتى من ان تطالنى القبضة الامنية المفروضة عليهم والتى حذرنى منها ابى وكثير من اصدقائى واقاربى حينما رأونى اذهب معهم فى دورات كرة القدم او احضر بعض الدروس بشكل اسبوعى مع احد المحببين الى من الاخوان عرفت بعد ذلك ان هذه الدروس اسمها "أسر تربوية"وربما كانوا هم يخافون على ان اندمج اكثر من ذلك فكانوا يكتفوا بهذه الجلسة التى نتبادل فيها الحديث عن انفسنا واسرنا واحوالنا واحوال المسلمين والدنيا من حولنا وربما بعض اخبار السياسة ولم تضف لى تلك الفترة جديد اللهم الا ترجمت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "من لم يهتم بامر المسلمين فليس منهم " من علم فى العقل الى وجدان وشعور جارف ,جعلنى ابحث عما يجرى لنا فى مصر ,هذا البحث الذى سريعا ما احبطنى وجعلنى اشعر ان "كل حاجه زى الزفت " ,اما النوع الثانى فهو تلك الكائنات المطلقة اللحية والتى ترتدى دائما الجلباب الابيض _والذى كثيرا ما تساءلت لماذا الابيض بالتحديد ؟؟ماله البنى ! _والذين يقصرون ثيابهم بشكل ملحوظ وهم السلفين ,تلك كانت الصورة الذهنية لى عن السلفيين والذين كلما رأيتهم يتحدثون مع شخص "اخوانى" كانوا يحتدون على بعضهم البعض ويعلوا صوتهم فالسلفى مصر ان كل الاغانى حرام وان المعازف سامعيها وصانعيها فى النار والاخوانى يقول ان الامر ليس بهذا العسر فيتهم السلفى الاخوانى بالتساهل والتسيب فى دين الله فيقوم الاخوانى بدوره باتهام السلفى بانه هو المتشدد وهو الذى كره رب العباد الى العباد ,ثم يسكتا والدم يكاد ينبثق من وجهيهما كأنما يفكر كل واحد فى الضربة القاضية التى يقضى بها على نظيره فيبادر السلفى الاخوانى السؤال "تقدر تقولى انت مش مطلق لحيتك ليه ؟ القراضاوى بتاعكوا قالكوا حلال ؟" و يستأنف "هتخسر ايه يعنى لو قصرت بنطلونك شوية انت ما تعرفش ان اللى بيطول ثيابه خيلاء فى النار ؟ " ثم يستأنف دون ان يجعل لنظيره فرصه للرد "وبعدين ايه الدبلة الحلوه اللى انت لابسها فى يمينك دى ؟عاوز تعرفنا ان انت خطبت يعنى ؟ انت ما تعرفش ان الدبلة دى من اعمال اهل الكفر ما تعرفش ان المسيحيين فى عقيدتهم لازم يلبسوا الدبلة فى اليمين وبعدين يحولوها فى الشمال ؟"الى هنا يشعر السلفى انه قد نال من خصمه وانه حقق رصيد من الانتصارات التى تسمح له ان يتفاخر وسط اخوانه "السلفيين" انه اول امبارح مسك واحد اخوانى اداهمله فى جنابه ومعرفش يرد ولا ينطق ,دار هذا التفكير فى عقل صاحبنا الاخوانى فعزم على الاخذ بثأرة ورد كرامته التى بعثرها هذا الدرويش المتشدد فبادره "وانت يا سيدى ما دورك تجاه المجتمع الذى تعيش فيه ؟ هو الاسلام من البيت للجامع و من الجامع للبيت ؟" ما سمعتش حديث سيدنا النبى عن ...
-          (فيقاطعه السلفى ) الحديث اللى هتقوله ده انا عارفه وهو حديث ضعيف على فكرة
-          (فيبادره متشنجا) هو انا لسه قلت حاجه !! انت كل حاجه عندك ضعيف وموضوع !!..حديث النبى فيما معناه انه من لم يهتم بامر المسلمين فليس منهم
-          ايوه يعنى اعمل ايه!!انا متابع كل كبيرة وصغيرة بتحصل فى البلاد الاسلامية اعمل ايه تانى ؟!
-          اشترك فى الاحداث .. اخدم الناس .. اهتم بامر الناس .. ادخل الانتخابات مثلا
-          ايوه ما هو انتوا بتفضلوا تتساحبوا لغاية ما توصلوا للنقطة دى .. انتخاباتك دى يا سيدى كلها حرام فى حرام لانها تتم بقوانين وضعية تخالف مخالفة صريحة للشريعة الاسلامية .. وبالتالى البرلمان بتعاكوا ده لا يفرق شئ عن دار الندوة !!
كنت اسمع هذه الحوارات واستغرب ان هاذان النوعان لا يحدثون الا بعضهما البعض ,انهم لا يحدثون الناس حتى ولكن يجادلون مع بعض وكان الاكثر استفزازا لى هو السلفى اكثر من الاخوانى بحكم انى كنت اقرب الى الاخوانى شئ ما ولكن القشة التى قصمت ظهر البعير وجعلتنى اعيد النظر فى مجموعة من الافكار هى انى سمعت احدهم مرة يتحدث عن الشعراوى حديثا غير لائق ,الشعراوى ذلك الذى حببنى فى الاسلام ,يقول عنه انه اشعرى ماتردى ,فاضطرت على غير العادة ان اتدخل فى الحوار لاسئلة عن معنى هاتان الكلمتان
-          فقال لى يعنى لديه دخن فى عقيدته ثم بادرنى بالسؤال قائلا :أين الله ؟
-           فقلت بفطرتى وبتلقائية :الله فى السماء
وما ان سمع منى هذه الجملة حتى اخذ يضرب كف على كف وكأنما اصابه مس
-           منكم لله يا اشاعرة يا اللى بوظتوا عقيدة الناس ..الله فى كل مكان يا افندى يا متعلم !! ..
-          فقلت له ما انا عارف ان الله فى كل مكان والله
-          امال بتقول كده ليه ؟
-          قلتله مش عارف ان باقرأ فى ايات القرآن ان الله استوى على العرش
-          فقال تقصد ايه بالاستواء ؟ وما تعريفك له !!
فشعرت انى فى امتحان وانه يسألتى اسئلة لم اعرفها من قبل , وشعرت انه حافظ مش فاهم فقلت له
-          وانت مالك معصب نفسك ليه كده ؟
-          ايه التساهل اللى انت فيه ده .. دا امر دين .. وكل منا على ثغر من ثغور الاسلام عليه الا يدخل الكفر من ناحيته
-          ما اعرفش انا ايه تعريف الاستواء ! لم ادرس هذه الاشياء من قبل ! لكن ما اعرفه ان الله جل جلاله و افعاله وصفاته لا تصلح للقياس على البشر ولا يمكن ان يستوعبها البشر فليس من المتصور ان يفهم الشئ خالقه كما انه "ليس كمثله شئ " .
-          انت تفكيرك كويس بس عاوز تتظبط شوية وتغير شوية قناعات من اللى عندك .. انا عارف شيخ هيساعدك كتير
-          ولما اروح للشيخ ده هابقى زيك كده فى العلم والكلام
-          ايوه طبعا واكثر كمان
-          لا .. الله الغنى !
كان من بين الاشياء التى استغرقت فيها فكر لماذا يتصرف الانسان هكذا , اننى كثيرا ما كنت اسمع المتدينين بشكل عام يقولون لغيرهم لا تتحدث فى الدين بغير علم , وقد استفوتنى هذه الكلمة ان اعلم لاتحدث ,فذهبت لاحدى الدورات التى تنظم للشباب وتعرفهم كيف يتعاملون مع الاسلام ومع شرع الله وكان الشيخ (المحاضر)بارع ,لبق ,منظم الافكار ,باسم الوجه ,يكفى ان تستمتع بحديثه وكنت مندمج جدا فى شرحه وهو يتكلم عن الائمة الاربعة وكيف انهم يسهلون على الناس و كيف ان الائمة لهم محن تسمى محن الائمة واذا بنا هكذا , اذ بشخص سلفى افغانى المظهر _هكذا كنت اسميه تندرا_اذ كان يلبس الجاكيت فوق الجلباب الابيض كالافغان  يقتحم القاعة يقف على جنب و اخذ يستمع قليلا الى ان داه المحاضر للجلوس الا انه رفض وقال انه يريد ان يوجه بعض الاسئلة للمحاضر وفقط فقال له ولكنى القى المحاضرة الآن هل هذا الوقت المناسب !! فقال له انها اسئلة فى موضوع المحاضرة والحقيقية انها كانت ابعد ما يكون عن موضوع المحاضرة فقد اخذ يقول له لماذا لا تطلق لحيتك فقال له المحاضر هاطلقها ان شاء الله ..ولماذا تلبس "دبلة" فى يدك ؟ فخلعها المحاضر ورماها فى الحال .. ولماذا لا تقصر بنطالك؟ فضحكنا جميعا وقال المحاضر هذه لا اقدر على ان اجاوبك عليها الان لكن اعدك ان اقصره ! .. فبعدما انصرف الشاب قال المحاضر لا اريدكم ان تحصروا العلم فى 17 مسألة وهم اللحية والتصوير و .... وتتركون 2.5 مسألة اخرى المسلمون فى امس الحاجة اليها !

(5)

       من ضمن اولئك الذين كنت اسمع معهم قناة الناس وشيوخها كانت جدتى التى شارفت على التسعين عاما _اطال الله عمرها _ والتى كانت تعشق هذه القناة ومشايخها وكانت تقول على الشيخ حسان "الشيخ حسوب" .. انه الزمن يفعل بالانسان الكثير افلا يفعل فى الكلمات .. وعلى الشيخ يعقوب "الشيخ "عقوب" وكان ابى وامى يذهبون الى العمل كل صباح وانا واخواتى نذهب للمدرسة وتبقى الجده فى المنزل وحدها تعانى الملل فكانت تقول لنا ان نضع لها التلفزيون مل يوم على "قناة الناس" وان نعلمها كيف تفتح التلفزيون فقط حتى تستطيع سماعه فى غيابنا فتكسر الملل وبالفعل كان تعليمها سهلا فالتعليم ان كان سهلا فى الصغر فانه ليس مستحيلا فى الكبر , ودارت الايام وكانت جدتى تواظب على سماع قناة الناس بل وتستشهد فى بعض احاديثها مع الاخرين ببعض المقولات الدينية والاحداث على طريقة "الشيخ ديك النهار فى التلفزيون كان بيقول......" واستمرت على ذلك حتى نزلت بالعائلة بعض الاحداث انتقلت جدتى على اثرها لبيت عمى وفوجئت حينما ذهبت اليها انها لم تعد تسمع قناة الناس بل اصبحت تسمع قناة المحور بشكل دائم واستبدلت مقولة "الشيخ ديك النهار كان بيقول ...." بمقولة "الواد ابن كريمة مختار كان بيقول ديك الليلة كذا ....." وبسؤالها عن سبب هذا التغيير الدراماتيكى لم ترغب فى ابداء الاسباب وتركتها لنفسها .

(6)

   خلال هذه الفترة كنت قد تعلمت بعيدا عن المدارس بعض الاشياء الدينية وحفظت سورا من القرآن وانخرطت فى عبادة الله بالطريقة التى افهم فى الجزء الذى افهم وبالطريقة التى يفهم الناس بالجزء الذى لا افهم , وقد كنت اميل الى ان الازهر ودار الافتاء هم ممثلين رسميين عن المسلمين وليس بالضرورة عن الاسلام لذا يجب احترامهم وكنت هنا وهناك اسمع سباب من ذاك السلفى او الاخوانى الى شيخ الازهر او المفتى لانهم يتهمون انه يطبع مع الكيان الصهيونى او يصدر فتاوى لصالح الحاكم ولكنى لم اكن اهبه واهتم لهذا الصراع المكتوم فى احيان كثرة المكتوم فى لحظات الذروة , وظل هذا الكلام فى عقلى الباطن الى ان قامت الثورة المصرية فمات ومن مات واصيب من اصيب وقد شاركت فيها قناعة منى ان هذه هى "كلمة الحق فى وجه السلطان الجائر " التى قال عنها الرسول فى حديثه ,فإذا بهم يصدرون فتاوى عن تحريم الثورة وتحريم الخروج فيها بل حللوا للناس عدم الخروج لصلاة الجمعة والتى كانت سينطلق بعضها بعض المظاهرات درءا للفتنة ,حينها اصبت بصدمة فاخذت اقلب كل الذى سمعت عنهم وايقنت انهم علماء سلاطين وذهبت اصدق بدون تحرى كل الذى يقال لى عنهم من شكوك حول كون احدهم صوفى ولكنه لا يعلن ذلك وان الاخر يرتدى زيه الرسمى بطريقة ليست كطريقة علماء اهل السنة و .... و..... وفى النهاية سقطوا هم ايضا من نظرى الى ان ظهرت بارقة امل وهم علماء الازهر الذين ارتدوا عباءة الازهر ليطمنوا من فى الميدان ويثبتوهم ويقولون لهم انهم على حق وان الاسلام معهم لانه دين الحق ,رأيت كثير منهم , احببتهم واحسست وانى اعتنقت الاسلام مرة ثانية واعجبت بهم كثيرا وازداد اعجابى بهم اكثر حينما عرفت ان احدهم _الشيخ عماد عفت _ قد قضى نحبه فى احد تلك المعارك من اجل الحرية والعدالة والحق, فسلختهم عن رؤسائهم وتعاملت معهم كوحدة مستقلة .
    ثم مرت ايام الثورة ورأيت من كانوا يثورون لاجل اللحية يؤسسون حزبا سياسيا يضعون فيه ايديهم ليس مع الذى يطول بنطاله فقط بل مع النصرانى والمتبرجه ويجلسون معا فى مجلس للشعب لا فى دار للندوة ,استبشرت خيرا ,لكن هل تغيروا للاسف لم تتغير الممارسة ,فاحتكار الدين ظل كما هو و ... و.... ودخل ايضا فى اول انتخابات بعد الثورة الاخوان فى صورة حزب سياسى ايضا وقد مارسوا فيها الاسلام السياسى كأفضل ما يكون اذ قدموا انفسهم بعملهم وكوادرهم لا بصبغتهم الدينية التى يمكن ان تسيطر على عقول البسطاء ,لكن فى انتخابات الرئاسة تقدم السلفيين فى خطابهم الدينى اكثر بكثيرا من الاخوان وان كانوا متحفظين فى خطابهم ونظرياتهم الا ان الممارسة على ارض الواقع شهدت تحولا دراماتيكيا فقد دعموا ابوالفتوح ذلك المتحالف مع الاقباط واليساريون والليبراليون ,اما الاخوان فقد اعتمدوا اسلوب اكثر انحدارا فقط وقعوا فيما كانوا يأخذون على السلفيين فبدأوا يروجون لمرشحهم انه هو الذى سيطبق الشريعة وانه هو المرشح الشرعى الوحيد الذى لم يطلب الولاية وان الاخرون طلبوها و وقعوا فى اخطاء كثيرة لن يغفرها لهم تاريخ تطور الحركة الاسلامية وان ظنوا هم ان فوز مرشحهم فى النهاية سيغفر لهم هذا الخطأ .
   لكن التقدم الذى شهده السلفيون لم يدم طويلا فسرعان ما انقضت الانتخابات وانفض كل الى سبيله وعادت السياسة هى الملعب الذى يمارس فيه السلفيون دينهم , ولم يتعافى الاخوان من الكبوة التى وقعوا فيها فى انتخابات الرئاسة بل ازداد المؤشر فى الانحدار ,فاصبحنا نرى دعوات لا تخرج بشكل رسمى ولكنها تخرج من ابناء الحركات الاسلامية تتهم المعراضين لهم بالكفر والالحاد والزندقة و .... ولقد كنت اشاهد ذات مرة الكاتبة التى لا احبها على المستوى الشخصى والفنى "فاطمة ناعوت " فى مناظرة مع شخص سلفى وما ان احتد النقاش بينهم حتى اتهمها بالكفر ,حقيقة لا املك فى هذا المشهد الى ان اتعاطف مع من اكره و اكره من لو غير حاله احببت , تمنبت فى هذه اللحظة زوال تلك العقليات التى سدت الابواب ونفرت الناس من رب الناس و كفرت و عفرت ثم ادعت بعد ذلك انها تحمل الخير والسلام للبشرية ,رأيت ايضا مشهد اخر لحزب ينافس الاسلام السياسى بقوة فى الانتخابات ويزداد عدد الراغبين فى الانضمام به يوما بعد يوم , فما وجدت منهم الى ان بحثوا عن الاعضاء فى هذا الحزب وتتبعوا كل همسه و كل لفظه يقولونها حتى يكتشفوا ان منهم من لا يؤمن بالله وان منهم من هو ملحد وهى بعض الحالات الفردية ,حتى اطلقوا عليه حزب الملاحدة وان دخوله والانضمام له حرام !!
(7)
    خلاصة القول اننى لست مع دعاوى فصل الدين عن السياسة اذ انى أؤمن ان الاسلام دين ودولة ولكن ما اراه الان ان الازهر قد مات وان الحركات الاسلامية اختزلت نفسها فى احزاب سياسية على ارض الواقع مهما حاولت ان تبرر وتقنعنا انها ما زالت متمسكة بالخط الدعوى ,لان الواقع يقول غير هذه ,حتى القنوات الدينية والتى كنا فى البداية نطالب ان يكون هناك برنامج واحد على الاقل يتكلم فى السياسة اصبحنا نطالب الان ان نرى برنامج واحد يتحدث عن الدين لمجرد تعليمه لا ليلقى اسقاطات على حزب او تيار معينه ليدعمه او يناهضه فى الانتخابات , على الحركات الاسلامية ان تعترف ان الامور كبرت منها وهربت من تحت يديها وانها وجدت نفسها رغما عنها منغرسة فى لعبة السياسة لا تستطيع الخروج منها ولا ان تنحنى عنها قليلا الى ممارسة الدعوة الى الله , هم يعرفون الحل و يتجاهلونه لاسباب تنظيمية,وانا لن اقوله فقد مللت من التكرار , اما انا فسأمارس السياسة التى احبها وسألتزم فى فى تعلم الدعوة ان وجدت من يفرغ ليعلمنى هذا !! وحتى تفرغ الحركات الاسلامية اقصد الحركات الاسلامية السياسية من عملها الطويل سأذهب لأتعلم الدين بشكل عصامى سأبدأ بحفظ القرآن الكريم كامل والله من وراء القصد .

هناك تعليق واحد:

  1. بين البناء الفردى والعمل الجماعى
    لاشك ان سبب ضعف العمل الجماعى هو فى الاصل انعكاس لواقع الافراد
    على عمر

    الاصل فى الانسان عندما يبلغ رشده ويدرك عقله ويصبح مكلفا ان يسلك سبيل الايمان بنفسه وان يبحث لنفسه على دليل يقوده الى معرفةطريق الله بل الثبات على الطريق ويلتزم الشعائر التعبيديه ويعرف من الامور الفقهية التى تؤه لذلك فيما يسمى المعروف من الدين بالضرورة ثم يا يقيم به حياته من امور الفقه كل ذلك ثم يرتقى هذا المسلم بعد ذلك الى منزلة اخرى وهى ذاتية ايضا وواجب كل فرد على حده
    منها
    1 - قوة الجسم .2 - متانة الخلق .3 - ثقافة الفكر .4 - القدرة على الكسب .

    5 - سلامة العقيدة .6 - صحة العبادة .7 - مجاهدة النفس .8 - الحرص على الوقت .

    9 - تنظيم شئونه كلها.10 - النفع لغيره.




    وكل هذه الشروط ذاتية ، يجب أن تتوفر فى الفرد قبل أن ينضم إلى الأسرة
    وبعد توافر هذه الصفات او قدرا ليس بالبسيط منها نرتقى الى مرحلة اخرى وهى جماعية العمل وهنا تتعدد المجالات وتتسع الافاق الى سبل لابد من طرقها والعمل من خلالها اولها تكوين الانويه والاسر

    تستهدف الأسرة بالنسبة للجماعة نفسها أهدافا نابعة من مكانة الأسرة فى بناء الجماعة .

    ومن المسلم به أن الأسرة نواة الجماعة ، وأول لبنة فى بنائها ، وكلما كانت هذه اللبنة جيدة التكوين جيدة التوظيف ، كانت الجماعة على نفس المستوى من جودة التكوين وجودة التوظيف ، بل لا مبالغة فى القول ، بأن أى خلل فى الجماعة - بنائها وتكوينها-لابد أن تلتمس له أسباب فى بناء الأسرة وتكويها .

    وليس من المبالغة كذلك ؛ القول بأن الجماعة لاتستطيع أن تشق طريقها

    المليئة بالمكاره دون أن تعتمد فى مسيرتها على رصيد هائل جيد من الأسر التى أعدت إعدادا جيدا .

    لذا فإن للأسرة - وهى النواة - أهدافا بالنسبة للجماعة كلها تسعى الأسرة إلى تحقيقها ، هذه الأهداف يمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلى :

    أ - مد الجماعة بالعناصر البشرية ذات الكفاءة فى مجالات أعمال الجماعة المتعددة ، هذه العناصر التى مرت فى نظام الأسر بمرحلة التكوين واجتازت بجدارة كل البرلمج التى يتطلبها التكوين والتنفيذ ، ومن مثل هذه المجالات مايلى :

    1 - مجال الدعوة والتبليغ .

    2 - مجال العمل والحركة .

    3 - مجال التنظيم والإدارة .

    4 - مجال أ العمل السياسى .

    5 - مجال العمل الاجتماعى .

    6 - مجال العمل الاقتصادى .

    7 - مجال العمل الفكرىالثقافى.

    8 - مجال التربوى التكوينى .

    9 - مجال العمل الرياضى والكشفى .

    وكل تلك المجالات وغيرها مما تتطلبه مسيرة الجماعة قد أعد لها الأفراد فى الأسر وفق البرنامج التى تغطى هذه الاحتياجات إعدادا يمكنهم من مواصلة الدراسة والتعمق والبحث والعمل والممارسة .

    ب - مد الجماعة بالعناصر القيادية الصالحة ، التى نضجت استعداداتها القيادية داخل الأسرة ، لتتولى الجماعة- تدريب هذه العناصر القيادية على متطلبات المجال القيادى الذى يرغب فى ملئه ، وفق برامج مكثفة ووؤهلة لنوع القيادة المطلوب ، للاستفادة من هذه العناصر فى مواقعها القيادية :

    وعلى سبيل المثال :

    1 – قيادة الأفراد والجماعات .

    2 - قيادة العمل الاجتماعى .

    3 قيادة العمل السياسى .

    4 - قيادة العمل الاقتصادى .

    5 - قيادة العمل الإدارى التنظيمى .

    6 - قيادة العمل التربوى التكوينى .

    7 ـ قيادة العمل الفكرى الثقافى .

    8 - قيادة العمل، التبليغى ونشر الدعوة .

    جـ - مد الجماعة بالعناصر الجيدة القادرة عل ممارسة العمل بين الجماعات والتيارات الموالية للإسلام أو المعادية له ، وذلك من أهم ما يلزم الجماعة فى مسيرتها ، إذ أن التيارات الموالية تحتاج إلى من يدعم هذا الولاء ، ويقرب بين الغايات والأهداف ، ويعطى من التشجيع والتحميس مايدفع هذه التيارات الموالية للإسلام إلى غايتها وهدفها ، كما أن التيارات المعادية للإسلام تحتاج إلى مواجهة ومقاومة تقوم كذلك على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن .

    ولايستطيع القيام بذلك إلا أفراد ربوا تربية جليلة فى ظل نظام الأسرة ، ثم يدربون على هذا العمل التدريب الذى يمكنهم من القيام به خير قيام.

    د - مد الجماعة بالعناصر القادرة على توريث الدعوة لأجيال لاحقة ، كى لا تنقرض الدعوة بموت روادها الذين يتقدم بهم العمر .

    وهذا التوريث حيوى وأساس فى العمل الإسلامى كله ، كما أنه يحقق فائدة كبرى فى نقل الخبرات من القدامى إلى المحدثين .

    وعملية التوريث هذه لها متطلباتها وتبعاتها الجسام ، فلن يورث الدعوة إلى غيره إلا مؤمن بها عامل من أجلها فقيه بأهدافها عالم بوسائلها قادر على نقلها ذلك إلى غيره من الناس . وهؤلاء المورثون من الشباب أو غيرهم ، يحتاجون إلى مزيد من الرعاية وحسن التوجيه ومزيد من التفهيم والتكوين ومزيد من التثقيف والتفقيه ، وكل ذلك أمانة ضخمة لاتستطيع القيام بها إلا من أعد داخل الأسرة وصهر فى نظامها وتشرب إلى أعماقه برامجها وادابها .

    ردحذف